ساسي سالم الحاج
29
نقد الخطاب الاستشراقي
التي لا تتسم والحقائق العلمية ، وكان ذلك شأن كل من كان على شاكلته من المؤرخين والكتّاب . وفي أواخر القرن الرابع قبل الميلاد قام اليونان بزعامة الشاب الغريب الأطوار وهو الإسكندر الأكبر برد الزيارة التي قام بها الفرس لبلادهم ، فاحتل آسيا الصغرى ومعظم مناطق الشرق المعروفة مكتسحا الفرس أعداء بلاده القدماء ، وتوغل في أراضيهم ، وبعد أن دانت له تلك الأصقاع استمر في حربه المظفرة حتى وقف على أبواب الصين عندما عاجلته المنية ولم يتعد عمره ثلاثا وثلاثين سنة . عندما اجتاح الإسكندر المقدوني الشرق فكرّ في احتلال الجزيرة العربية بعد أن تمت له الغلبة على مصر والهلال الخصيب ، فأرسل بعثة استطلاعية تتسقط له المعلومات اللازمة تمهيدا للاستيلاء على هذه الأصقاع المليئة بالغموض والأسرار ، الصعبة الاختراق . فبنى أسطولا قويّا ، واتخذ مدينة بابل قاعدة للانطلاق ، وأمّر على أسطوله قائده الشهير « أرخياس » ARCHIAS الذي عبر الخليج العربي ووصل إلى جزيرة البحرين الحالية ، وكان يطلق عليها في ذلك الزمان اسم « تيلّوس » « 1 » ، وقدمت هذه البعثة البحرية وغيرها من البعثات الأخرى تقارير وافية عن المناطق التي وصلت إليها تناولت السكان والإنتاج والمبادلات التجارية والوصف الطبوغرافي للأرض والطرق السهلة التي يمكن لجيش جرار المرور منها في صحراء قاحلة خالية من الماء ومن كلّ الوسائل المريحة التي يحتاج إليها جيش مقبل على احتلال أصقاع لم يخترقها أحد قبل ذلك التاريخ . ونحن لا يهمنا في دراستنا تتبع السياق التاريخي لهذه الحملات ومدى نجاحها من عدمه ، لأن موضوعنا منصب على العلاقات الثقافية الناشئة عن هذا التلاقي بين الشرق والغرب ، فأخذ المهتمون بهذه الحملات تسجيل العديد من المعلومات عن الأرض الشرقية التي احتلوها ، ودوّنوا كثيرا من الروايات الشفهية السماعية عن أراض أخرى كان في نية الإسكندر ابتلاعها ، وعادة ما كانت هذه التقارير خالية من الخرافات والأساطير التي كانت تميز كتابات الأقدمين ، بل وأعطت صورة شبه صادقة عما تحتويه
--> ( 1 ) د . جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الثاني ، دار العلم للملايين ، 1977 م ، ص 7 .